أبي منصور الماتريدي

56

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

منه ، على ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنه كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان » « 1 » ، وحاجة الإنسان يحتمل وجهين : يحتمل : لما يرفع إليه من الحوائج . ويحتمل : حاجة الإنسان : الحاجة المعروفة التي لا يحتمل قضاؤها في المسجد . ثم الضرورة تقع بالخروج في العكوف بوجهين : مرة في نفسه ، ومرة في أفعال يكتسبها . وبهذا يقول أصحابنا ، رحمهم اللّه تعالى ، في فرضية الخروج إلى الجمع ؛ لأن من اعتكف على ألا يشهد الجمعة لا يؤذن له في ذلك ، لما لا جائز أن يؤذن بإيجاب قربة هي ليست عليه بتضييع أخرى هي عليه ؛ إذ ذلك فرض كفاية يسقط بأداء البعض ، لذلك كان ما ذكرنا . فإن قيل : روى أنه كان [ يخرج ] « 2 » لاتباع الجنازة وعيادة المريض .

--> - عنها : « أنه عليه الصلاة والسلام كان يمر بالمريض ، وهو معتكف ، فيمر كما هو ولا يعرّج يسأل عنه » . فإن طال وقوفه عرفا ، أو عدل عن طريقه وإن قل لم يجز ، وعند أبي يوسف ومحمد : لا ينتقض الاعتكاف إذا لم يكن أكثر من نصف النهار . أما المالكية فإنهم مع الجمهور في فساد الاعتكاف لخروج عيادة المريض وصلاة الجنازة ، إلا أنهم أوجبوا الخروج لعيادة أحد الأبوين المريضين أو كليهما ، وذلك لبرهما ؛ فإنه آكد من الاعتكاف المنذور ، ويبطل اعتكافه به ويقضيه . و - الخروج في حالة النسيان : ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الخروج من المسجد عمدا أو سهوا يبطل الاعتكاف . وعللوا ذلك بأن حالة الاعتكاف مذكّرة ، ووقوع ذلك نادر ، وإنما يعتبر العذر فيما يغلب وقوعه . وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم البطلان إذا خرج ناسيا ، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » . ز - الخروج لأداء الشهادة : ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الخروج لأجل الشهادة مفسد للاعتكاف . وصرح المالكية بأن من وجبت عليه شهادة ، بألا يكون هناك غيره ، أو لا يتم النصاب إلا به لا يخرج من المسجد لأدائها ، بل يجب أن يؤديها في المسجد إما بحضور القاضي ، أو تنقل عنه . وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يلزمه الخروج لأداء الشهادة متى تعينت عليه ويأثم بعدم الخروج ، وكذلك التحمل للشهادة إذا تعين ، فيجوز له الخروج ولا يبطل اعتكافه بذلك الخروج ؛ لأنه خروج واجب على الأصح عند الشافعية ، أما إذا لم تتعين عليه ، فيبطل اعتكافه بالخروج . ينظر : الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ( 1 / 543 ) ، تبيين الحقائق ( 1 / 350 ) ، وابن عابدين ( 2 / 445 ) ، كشاف القناع ( 2 / 356 ) ، الروضة ( 2 / 404 ) ، بدائع الصنائع ( 3 / 1071 ) . ( 1 ) أخرجه الدارقطني ، والبيهقي في الشعب من طريق الترمذي عن سعيد بن المسيب وعن عروة عن عائشة قالت : « . . . والسنة في المعتكف ألا يخرج إلا لحاجة الإنسان » . انظر الدر المنثور ( 1 / 364 ) . ( 2 ) سقط في ط .